المنجي بوسنينة
684
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
يريد أن يضمن مصادر الرزق والنعمة والطمأنينة لدى علية القوم الأرستقراطيين . فكان اتصاله الأول بالوزير أبي محمد المهلبي ( ت 352 ه / 963 م ) الذي اشتهر بعلاقات متميزة مع الأدباء والعلماء ، لكنه غضب على أبي حيان فقرّر نفيه إلى خارج بغداد بحسب الرواية الشاذة التي يذكرها الذهبي [ ميزان الاعتدال ، 3 / 355 ] بتهمة « سوء العقيدة والزندقة والانحلال » . ولم يكن من حسن طالع أبي حيان أنه توجّه إلى الوزير ابن العميد الذي كان موصوفا بحسن معاشرة الأدباء والكتاب والشعراء والفقهاء والمحدثين وأصحاب العلوم كالهندسة والمنطق والفلسفة حتى برع في علم الحيل « الميكانيكا » وفنون آلات الحرب وأدواتها [ ابن مسكويه ، تجارب الأمم ، 2 / 275 ] ، فلم يوفّق أبو حيان في استمالة الوزير ابن العميد إليه ، بل نفر منه حتى كان يزدري أبا حيان ويحتقره لما يرى منه إهمال الهيئة على الرغم من اعتداده بنفسه ، حتى إنه كان يتجاوز حدوده في حضرته [ ياقوت ، معجم الأدباء ، 5 / 15 ] فلم يكن موفّقا معه حتى عاد إلى بغداد خائبا . ثم عاد إلى الريّ واتصل بالوزير ابن عباد الذي كان أصلا من أتباع ابن العميد ، ثم صار صاحبا لابن العميد ، واستوزر بعد وفاته ، وهو في عنفوان الشباب . لكن أبا حيان لم يكن محظوظا ، أيضا ، عند ابن عباد ، لسوء تصرف وفلتة لسان وحماقة تصريح [ معجم الأدباء ، 15 / 28 - 44 ] فلقي منه كل التعسف [ الإمتاع والمؤانسة ، 1 / 3 - 4 ] ، حتى اعتقد أبو حيان أن ابن عباد كان يحسده ويتملّكه الغيظ منه [ ياقوت ، م . س ، 15 / 34 - 35 ] . وقد ساق الحقد على ابن العميد ، والضغينة على ابن عباد ، أبا حيان ، إلى تأليف كتاب « ذمّ الوزيرين » حتى صار الكتاب مجلبة للنحس والشؤم بحسب رواية ابن خلكان [ وفيات الأعيان ، 2 / 60 ] . لكن عودته إلى بغداد في 370 ه / 980 م فسحت له فرصة صداقته لأبي الوفاء المهندس المشهور في علم الرياضيات والهندسة ومن العارفين بعلوم الأوائل ؛ فقدّمه إلى الوزير ابن العارض الذي لقي أبو حيان منه اهتماما . وكانت حصيلة هذه الصلة أنه ألف من أحاديثه مع الوزير كتاب « الإمتاع والمؤانسة » الذي جاء وصف الوزير فيه [ الإمتاع ، 3 / 233 ] بما لم يخطّه يراع أبي حيان في مدح أحد ممن عرف من الوزراء وكبار القوم . لكن سوء حظه تكرّر قدرا هذه المرة عندما توفي الوزير في 375 ه / 985 م ، فلم يهنأ بصحبته طويلا ، بعد أن توثّقت أواصر الصداقة بينهما لبضع سنين . ومن عجائب الأشياء أن أبا حيان التوحيدي ، صاحب القلم المتمكّن واليراع البارع ، كان جبانا أمام الوزراء ، منافقا معهم ، يمدحهم أمامهم وهو قريب منهم ، ويذمّهم خلف ظهورهم وهو بعيد عنهم ؛ بل شتم كثيرا من الكتاب والأدباء والمفكرين ممن زاملوه وعرفوه في مجالس بغداد والري وشيراز وغيرها . حتى بدا لكل الباحثين أنه شتّام يبحث عن مثالب الناس ويحقد على كل من توافرت له النعمة ، وينقم على كل من كان كبيرا في المنصب والمال والجاه ؛ لأنه عاش عمره كله فقيرا ، حتى صار له الفقر عقدة نفسية دمّرت حياته وشخصيته بالتشاؤم والحقد وفساد المدح والذم لكل من عرفه على العموم ، حتى قال عن نفسه مرة « غدا شبابي